أبو حامد الغزالي

199

تهافت الفلاسفة

بأنه كائن ، فالعلم واحد متشابه الأحوال ، وقد تبدلت عليه الإضافة ، لأن الإضافة في العلم حقيقة ذات العلم ، فتبدلها يوجب تبدل ذات العلم ، فيلزمه التغير ، وهو محال على اللّه تعالى . * * * والاعتراض من وجهين : أحدهما أن يقال : بم تنكرون على من يقول : إن اللّه تعالى ، له علم واحد ، بوجود الكسوف مثلا ، في وقت معين ، وذلك العلم قبل وجوده ، علم بأنه سيكون ، وهو بعينه عند الوجود ، علم بأنه كائن ، وهو بعينه بعد الانجلاء ، علم بالانقضاء « 1 » ، وإن هذه الاختلافات ، ترجع إلى إضافات ، لا توجب تبدلا في ذات العلم ، فلا توجب تغيرا في ذات العالم ، فإن ذلك ينزل منزلة الإضافة المحضة ، فإن الشخص الواحد ، يكون عن يمينك ، ثم يرجع إلى قدامك ، ثم إلى شمالك ، فتتعاقب عليك الإضافات ، والمتغير ذلك الشخص المنتقل ، دونك . وهكذا ينبغي أن يفهم الحال في علم اللّه عز وجل ، فإنا نسلم أنه يعلم الأشياء بعلم واحد ، في الأزل والأبد والحال ، لا يتغير . وغرضهم نفى التغير ، وهو متفق عليه . وقولهم : من ضرورة إثبات العلم بالكون الآن ، والانقضاء ، بعده ؛ تغير ، فليس بمسلم ، فمن أين عرفوا ذلك ؟ ! ، فلو خلق اللّه تعالى ، لنا علما ، بقدوم زيد غدا ، عند طلوع الشمس ، وأدام هذا العلم ، ولم يخلق لنا علما آخر ، ولا غفلة عن هذا العلم ، لكنا عند طلوع الشمس ، عالمين - بمجرد العلم السابق - بقدومه الآن ، وبعده بأنه قد قدم من قبل ، وكان ذلك العلم الواحد الباقي ، كافيا في الإحاطة بهذه الأحوال الثلاثة .

--> ( 1 ) قارن هذا بما سبق نقلا عن صاحب المحاكمات في شرح عبارة « ابن سينا » .